عندي الآن 23 سنة.. وهذا ما أتمناه من الحياة إذا ما بلغتُ الثلاثين!


أحمد أبودوح

(1)
في لحظة ما، قررت أن أذهب إليه، أدق بابه للمرة الأولى، وأستعدُّ لإخباره عما أكنّه من أحلام وطموحات لا أخبر بها أحد. جهزت حقيبتي، أوراقي الخاصة التي امتلأت بخططي التي ترسم أهداف 20 سنة قادمة، واهتممتُ بمظهري أيضًا، بدا كل شيء على ما يرام.


وصلتُ مكتبه، طلبتُ لقاءه، فانتظرتُ حتى جاء دوري، حانت اللحظة المنتظرة، الآن سأبوح بكل ما عشته من أحلام، أخيرًا وجدتُ من سيساندني ويرشدني. استقبلني بكل ودّ، رحب بجلوسي، تعارفنا على عجل، في مكتبه، الوقت ضيق والمهام كثيرة، شرعتُ في الحديث حول رؤيتي لحياتي القادمة طالبًا المشورة والتوجيه، نظرتُ إليه وجدته منشغلاً بترتيب أوراق مكتبه، لاحظ شيئًا من انزعاجي، فقال لي: "أنا معك، لا تقلق، أستغلُ وقتي في ترتيب أوراقي ليس أكثر"


ولكنه حقًا لم يكن معي، ولم يكن حتى يعبأ بكل ما يدور في ذهني، وحتى تلك الأحلام التي ظننت أني بمجرد الحديث عنها ستبهجُ عيناه وستلمعُ كما لو أنها ألماس. قمتُ سريعًا بتغيير مجرى الموضوع، وتوجيه دائرة الاهتمام نحوه، حتى لا أصبح مجرد شخص كل مايراه هو نفسه. وجمعتُ أوراقي من جديد استعدادًا للرحيل. فشلت المهمة. لم أتوقع أن يحدث هذا، ولكن لا بأس. هذه الحياة.


هذه المرة الأولى التي أتعلم فيها، كيف تقدم نفسك للناس لتحظى اهتمامهم، وكيف تسترعي انتباههم، الحقيقة، أنه لا أحد يهتم بك، أحلامك وأفكارك وجنونك لا يمثل للناس شيئًا، إلا ما كان فيه بذرة ولو صغيرة تفيدهم أو تعود عليهم بالنفع.. هذا ما تأكدت منه تمامًا. ولحسن حظي أن الحياة قوّمت فهمي، ومنحتني الفرصة لأرى من يهتمون بي دون أن يعود عليهم ذلك بأي شيء. هم يفعلونها والسلام. هم قلة صحيح، ولكنهم موجودون.


(2)

هذه المرة أتحدثُ مع فتاة جميلة تكبرني سنًا، ولا أذكرُ ما الذي جعلنا نتطرق إلى سؤالٍ مشهور " هل نحن مسيّرون أم مخيّرون ؟ ".. هي تقول لي إننا مسيّرون في كل شيء، وعلينا أن نسير وحسب، ونتجمل بالصبر والرضا، هذه الحياة وعلينا أن نقبلها كما هي. أنا اعترضتُ بشدة، قلت: " صحيح أننا مسيرّون في أشياء كثيرة، ولكنني اخترتُ أشياء في حياتي، أنا أردتها، ولا زلتُ أرى عشرات الاختيارات أمامي.." كان بإمكاني ألا أدرس الإعلام وأختارُ أي شيء غيره، لم يكن يخطر على بال أحدهم أن أذهب لعالم الصحافة والإعلام، ولكنني اخترتُ ومضيت. وبيدي مثلاً أن أصلي الآن أو أنشغل بأشياء أخرى.. أن أكمل جلوسي معكِ أو أمضي لطريقي. نظرتُ إليها وجدتها هادئة صامتة، ثم تَساءلتْ " ماذا لو كان حقًا بإمكاني أن أختار؟ يبدو أنني أضعتُ أشياء كثيرة في حياتي، إن كان الأمر كما تقول..!" قلت: ليس مهمًا ما فات، المهم ما هو آت.

(3)

منذ فترة قريبة، سألتُ نفسي، لو أنني بلغتُ الثلاثين من عمري، وكتب الله لي ذلك، بأي تجارب الحياة سأفخر؟ وأي المهارات والحرف أتقنت؟ وما الأعمال التي انشغلتُ بها؟ ويا ترى هل أنجزتُ شيئًا مفيدًا يلهمُ الناس؟ وهل تعلمتُ حقًا كما ينبغي أم أن الوقت مضى ولم أمتلئ نورًا؟ ولأجل أي الأفكار ناضلت؟ وهل بقيتُ هنا، أم أنني سافرتُ وجلتُ أرض الله؟ ومَن مِن أصدقائي بقيَ معي؟ هل رزقتُ حبًا عظيمًا أم لا يزالُ القلب دونه .. أسئلة كثيرة مزعجة وملهمة.


أنا الآن عمري 23 خريفًا، فقدتُ والدي الحبيب منذ أكثر من عام، ومضى على تخرجي في كلية الإعلام 7 أشهر، وأمارس الآن عملاً أحبه ويحبني، وأنا الأخ الأكبر بين إخوتي.. ويبدو لي أن الوقت مناسبٌ لأختار كيف أقضي قادم أيامي، إن كان في العمر بقية.


اثنان لا تفرط بهما..


محظوظٌ أنا بصحبة أستاذي الجميل، ذات مرة، شاركته مدى حيرتي وبحتُ له مخاوفي، فدلني على شيئين أفعلهما أمام كل خطوة جديدة، إن فعلت ذلك، سيقل ندمي فيما بعد وترشدُ قرارتي. 
أن أختار، وأختار ما أستمتع به. فلا أسيرُ في طريق بالإجبار، ولا أمضي في سكة لم أقرر السير فيها، وإن قررت السير فيها فلابد أن أجد متعتي، دون ذلك، ستكون محصلة الندم كبيرة إن تحملت أصلاً السير فيها. ثم وجدتني أضيفُ عليهما معيارًا ثالثًا، وهو أن أنفع نفسي وأنفع غيري. هناك أشياء قد أختارها وأستمتع بها، لكنها حقًا تضرني. ولا تنفعني، ولاتنفع غيري. كما أن هناك شعورًا ممتعًا يسري فينا كلما شعرنا بأننا نمثل شيئًا مهمًا للناس وأننا بابُ نفع لهم.


الآن.. أودُّ لو أكتب ما أتمناه في حياتي حتى الثلاثين من عمري، إن سمح لي العالم بشيء كهذا، أحيانًا أشعرُ أن هذا الكون الرحب، ضيق كما لو أنه جحر فأر تعيس، لا أعرف كيف يحدث هذا.

أتمنى حقًا، لو أشعر دومًا برحابة كون الله، وأني في صحبته أينما حللت. وأحظى بخوض تجارب ومغامرات عديدة لا حد لها، فألقى أناسًا شتى، من كل لون وروح. وأكونُ على سفرٍ دائم، فلا أبقى في مكانٍ واحد، وتظل فرصة تعلقي بأي شيء صغيرة. وتظل روحي خفيفة، لا يقيدها شيء، مستعدٌ للرحيل في أي وقت، وأبوح بما في خاطري بأي لحظة أحب. ولا أسودُ أحدًا ولا يسودني أحد. وتظل ضحكتي العجيبة تُضحكُ من حولي. ويكون بيدي دائمًا ما أمنحه للناس، ولو أني أستطيع إسعادهم بأي شيء. ولو أني احتجتُ للبكاء يومًا، فلا أجدُ ما يمنعني.


وأتمنى ألا يعود الخوف إلى قلبي أبدًا، طردته كثيرًا، ولا أعرفُ كيف يحب التسلل إليه. ملعونٌ الخوف، لا يحمينا من عذابات الحياة، ويحرمنا عيشها وخوضها. أكبر خوف كنتُ أحمله في قلبي ويعيق حراكي، هو خوفي على أهلي وأحبابي، الآن أقول في نفسي، الله يحفظهم ويتولاهم، الله لطيف بعباده.


وأتمنى من عملي أشياء كثيرة، أتمنى لو يكون عملي بين السفر والترحال والقراءة والكتابة وحكي القصص والتجارب، وابتكار أفكار جديدة، وإدارة وتنفيذ مشاريع مفيدة، والكثير من الورش العملية والتدريب. وأتمنى ألا يطغى عملي على حياتي، فيحتفظ ببريقه في مساحته الخاصة، ولا يقترب من مساحتي الشخصية إطلاقًا. وتظل "الشطارة" صديقًا حبيبًا لي في عملي، لا نفترق ولا يضحي أحدنا بالآخر، وكم سيكون جميلاً لو أن الإلهام أصبح ثالثنا، سيكون عملنا موسيقيًا لأبعد حد.


وأتمنى أن أقضي أوقاتًا طويلة في التعلم، التعلم من كل شيء وبكل شيء. لو أنّ الحياة تمنحني أوقاتًا لا أفعل فيها شيئًا سوى أني أقرأ وأشاهد وأدوّن وأجرب وأتدرب وأحاول مرة بعد المرة حتى أتقن المهارة تلو المهارة. وأعي الفكرة وراء الفكرة.


وأتمنى حقًا، لو أحقق الكثير من الأشياء لعيون أمي الجميلتين. عشرات الأشياء التي أفعلها ويحبها الناس، لا يعرفون أن مصدرها أمي الطيبة العظيمة.. كم أتمنى لو أن السعادة لا تفارق قلبك، والعافية لا تغادر جسدك. وأن أسير كما عاهدت والدي الجميل، أعملُ لدنياي كأني أعيش أبدًا، وأعملُ لآخرتي كأني أموتُ غدًا.

ولي أمنيات أخرى..


أتمنى لو أن الأوقات السعيدة تسير ببطء، والأوقات المؤلمة تمضي سريعًا، ولو أني أحظى بلحظات سعيدة كثيرة تغلب تلك الحزينة، وأحظى بكثير من الحب، وألا أفقد قدرتي على الدهشة قدر الإمكان، ولو أنني أفهم الحياة ولعبتها ولكن دون أن تحولني لإنسان تعيس، ودون أن أسقط في جرائمها. ولو أني لا أفكر للحظة كيف أجني المال لأقوم بما أحب وما يفيد، لا أريد الكثير منه، ولا أريد أن أشعر أني بحاجة إليه أيضًا. ولو أن أصدقائي وأحبائي يحققون أحلامهم وينالون من الحياة فوق ما تمنّوا، ولو أن معلمي الجميل الذي يحب الحياة وتحبه، يبارك الله في عمره في سعادة وطاعة وعافية، وأحظى بصحبته دومًا.


لا أعلمُ حقًا إن كان سيمدُّ الله في عمري حتى الثلاثين أم لا؟ ولكن إن كان، فليكن الطريق إليها مليئًا بالشغف والحب والكثير من السعي والعمل والتعلم والمتعة، والقليل من الحزن والغضب والزيف والخداع والصراعات الفارغة. وإن وصلتُ إليها وكان في العمر بقية، أريدُ أن أكون مستعدًا لأقدم للحياة مشاريع مفيدة، ترسمُ أثرًا طيبًا بعد رحيلي، لا أريد أشياء أكثر. وقد يبدو أني طلبتُ كل شيء.. الله كريم كبير.


وشيءٌ أخير، رغم أنه لا يحدث في الغالب.. لو أنّ الفتاة المجنونة التي أحبها، تحبني كما أحبها، ولو بعد حين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق