أنا وجدي وملك الموت!

هذه المرة، ونحنُ نصلي المغرب كنت أسمع همهمات جدي في الصلاة، وكأن طفلا يبكي ويكتم صوته خشية أن يسمعه أحد. بعد الصلاة مباشرة ذكر الله، وطلب مني إحضار هاتفه من تحت الوسادة، لم أجده، فبحثتُ عنه حتى وجدته..

ناولتهُ الهاتف، فقرَّبه من عيناه التي يكاد يبصر بها، رأيته يبحث عن رقم ما، كنت أنوي أن أساعده في البحث، ولكن خطر في بالي أن أنجز مهمة صغيرة وإن احتاجني سأكون بجانبه.

أرى أخي يقترب مني على عجل، ويهمسُ في أذني "جدي، اتصل بحد.. وقاله أنا هموت دلوقتي" قمت فزعًا من مكاني، وأقبلتُ على جدي (والدُ أمي)، رأيته ممددًا على كنبته وينظرُ للسقف ويهمهم.. 

رنَّ هاتفُ جدي، فناولني إياه أخي، وعرفتُ أنه الشخص الذي اتصل عليه جدي. أجبتهُ وكان متعجبًا من المكالمة السابقة، كما تعجبتُ أنا، وأراد أن يطمئن بشدة وطلب مني أن أتيح له فرصة محادثة جدي، فاعتذرتُ منه بلطف، ووعدته بذلك بعد قليل.

أرى أمي تتجول في البيت كأم تبحث عن طفلها التائه، وفي وجهها أرق وألم وحيرة.. وإخوتي اجتمعوا في غرفة واحدة كل واحدٍ منهم أخذ ركنًا، وأنا جلستُ بجانب جدي.. لأفهم ما يحدث.

أرى جدي يحاول أن يتشبث بيديه، وبدا لي أنه يقاومُ شيئًا ما، وسرعان ما فهمتُ أنه يريد أن يعتدل في جلسته، فساندته حتى استقام ظهره، وسألته عن احتياجه، فطلب مني أن أجلب له هاتفه وأن أعاود الاتصال بمن اتصل به أول مرة.. فعلتُ ذلك كما طلب، وأنصتُ سمعي لما سيقوله جدي في اتصاله.

قال جدي كلامًا غريبًا لم أدركْ معناه. افتتح اتصاله بالدعاء لصاحبه، الذي يدعى الشيخ عبد اللطيف (إمام المسجد الذي يصلي فيه جدي دومًا) ثم أخبره أنه قد يكون هذا الاتصال الأخير له وأنه يسامحه على كل شيء، ونصحه بأن يحافظ على مداومة المسجد كما تعوّد، وبدون ذلك لا شيء يستحق في هذه الحياة، وطلب منه أن يتصل فيما بعد، وسلم عليه وأنهى اتصاله.. واستلقى مرة أخرى.

وأنا ازددتُ حيرةً ما بعدها حيرة، وبقيتُ بجانب جدي ملازمًا له، وبعد مرور خمس دقائق تقريبًا، طلب مني أن أتصل بالشيخ عبداللطيف مرة أخرى، وكأن المشهد يتكرر، فاتصلتُ به وساعدته على أن يعتدل في جلسته أيضًا كما أراد..

تناول جدي هاتفه، ووضعه على أذنه، ثم لاحظتُ أنه يقلب الهاتف على جهته الأخرى حيث توجد السماعة. ردّ صاحبه على الهاتف، وهذه المرة كنت أسمعهما هما الاثنين.. قال جدي بعد أن دعا له : " أنا مُت وحييت، وشفت حاجات كتير، فالحمدلله أنا بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.."

وجدتُ أمي مقبلةً عليّ، ويعلو وجهها بسمة رقيقة .. فاقتربت من جدي تطمئنُ عليه أكثر، وتسأله عما رآه.. فقال لها بعد أن صمت قليلا : "شفت ملك الموت، وقلت له مش دلوقتي.. فسابني ومشي.. لسه فيه عمر باقي..!"

.....

ما حدث حقيقة بكل تفصيلة، ولستُ قادرًا على إدراكها!


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندي الآن 23 سنة.. وهذا ما أتمناه من الحياة إذا ما بلغتُ الثلاثين!

لا تنتظر أحدًا.. 8 خطوات إرشادية لتعلم نفسك بنفسك

السؤال الصعب: كيف تكتشف نفسك؟ 10 خطوات عملية تساعدك!