ما الذي رآه حفيدٌ في جده بعد أكثر من 90 عامًا في الدنيا؟

إذا التقيته في مجلس ما، قد يحكي لك كيف رأى الضباط الأحرار يستعدون في نادي الزمالك لثورة 1952 وكيف كان معهم قائمًا على خدمتهم، وقد ينسى الحكاية وأطرافها أثناء حديثه فيتوقف فجأة، ويعرج بك إلى جولاته بين البلاد وسعيه لطلب الرزق و لقمة العيش، وقد يخبرك عن مداعبته للملك فاروق وهو لا يزال صبيًا صغيرًا، وقد ينقلك إلى معارك وتجارب أخرى. 

إنه دائمًا ما يقول أن ما حدث معه طيلة حياته لم يحدث لأحد من قبل، إلا أن ذاكرته لا تسعفه، ولا يتذكر من قصصه الملحمية سوى عدد محدود منها. أكثر من 90 عامًا قضاها جدّي في هذه الدنيا (بارك الله في عمره وصحته)، وقد طال الشيب كل شيء فيه إلا روحه فلا تزال مشرقة طيبة.

لن أقصّ حكاية جدي هنا، ولكنّي سأحكي ما تعلمه حفيده منه، حينما اقترب منه أكثر وحظي بصحبته في أوقاتٍ كثيرة. ما الذي يمكن أن أتعلمه ممن قضى عمرًا مديدًا في هذه الدنيا، كيف يرى هذه الحياة؟ ما الذي قد يخبرني به؟..

في السطور القادمة اقترابٌ من حياة جدي الذي يناديه الجميع بـ "الحج سيد" حتى أحفاده.. واستخلاص لأهم ما فيها..




يعيش اللحظة بكل ما فيها!
حينما يحل الضحك فإن البسمات تعلو محياه، وحينما يخيم الحزن فإنه يسكن ويهدأ خاطره، وإذا حانت الصلاة يترك كل شيء ويصلي. ذات مرة خرج من دورة المياة وتفاجأ بأغنية يصدح صوتها في المكان، وبدأ يتمايل بجسده يمينًا ويسارًا منسجمًا مع نغماتها، مبديًا بهجته، من حسن حظي أني كنتُ أراقبه، واستمر هكذا حتى مشى إلى الصالة، وبلا أي مقدمات توجه نحو القبلة وكبّر وبدأ يصلي، كعادته بعد خروجه من دورة المياة يركع ركعتين لله!

لا يزال يحب الحياة، وقد أعلن نيته في وقت سابق برغبته في الزواج.
تفاجأتُ مرةً بحوار ساخن بينه وبين بناته، حيث أخبرهم أنه ينوي الزواج بل وإنجاب الأطفال أيضًا، وبدا لي جدية الحوار من أول وهلة، حتى أن بناته اتفقوا على أن يراقبوا تحركاته ويقدموا له الرعاية فوق حاجته، آملين نسيانه لرغبته وأن تطير بعيدًا بلا عودة. في وقت راحته كنتُ أحرص على أن يشاهد الأفلام الكلاسيكية القديمة حتى يستمتع بوقته قدر المستطاع. وذات مرة عدتُ للبيت متأخرًا، ووجدته مقبلاً على التلفاز، ممددًا قدميه على طاولة بجانبه، رأيتُ البهجة في عينيه وهو يشاهد أحد الأفلام.
كما إنه يحبُ أن يلعب مع أختي الصغيرة، ويسمع أحاديثها. ويداعب من حوله في أحيان كثيرة، بل إنه يلقي النكات وقد يسخر مما يراه.

اهتمامٌ خاص بمتابعة الأخبار وما يدور حول العالم
كنتُ معه أمام التلفاز، وطلب مني أن أجلب له إحدى قنوات الأخبار، ثم قال لي "لو أننا نأكل ونشرب وننام فقط، من دون أن ندرك ما يحدث حولنا، لأصبحنا كالأنعام.. " وأحيانًا كنا نراه أمام التلفاز يشتكي بشدة من بعض الآراء التي يسمعها. بل كان جدي يسرد مواقفه ونصائحه في جلسات منتظمة حول تحسين الحياة والمعيشة في مصر بمساعدة أحد أصدقائه الذي كان يدوّن له ما يسرده. حيث أنه لا يجيد الكتابة. وكان يخبرنا دائمًا بأن لديه أفكارًا عبقرية لحل الكثير من المشاكل التي نعاني منها.

يؤمن بأنه يستحق الحياة طالما أنه مفيد لأهله ويستطيع خدمة نفسه
جدي لا يستعين بأحد في تحركاته قدر المستطاع، عصاه هي سنده بعد الله. يمضي إلى المسجد 5 مرات في اليوم، يشرف على رعاية شجره بنفسه، ويحاول أن يقضي مشاويره وتنقلاته بمفرده رغم الصعوبة التي يعانيها. في كل المرات التي كنتُ أحاول أن أساعده فيها أثناء صعوده الدرج، يطلب مني أن أسبقه ولا أنشغل به ويصمم على ذلك.


وقال لي ذات مرة إن "الإنسان يظل على قيد الحياة طالما أنه يستطيع خدمة نفسه ورعايتها، وكونه مفيدٌ لمن معه ليس عائقًا عليهم".


يقدس صلة الرحم ويهتم بأقاربه ومعارفه.
يخصص جدي كل سنة مدةً يسافر فيها بمفرده لزيارة أقاربه ومعارفه في مصر، ويقضي يومًا أو أكثر عند كل منهم، وقدومه في أعينهم بركةً تحلّ عليهم ينتظرونها بفارغ الصبر . كما أن معارفه كُثر، وأتعجب من حرصه على الاطمئنان عليهم، وجولاته المستمرة في زيارتهم.

اعتذر لي عن موقف حدث قبل 16 سنة على الأقل !
في جلسة سمر مع الأسرة قاطع الجميع وقال: اسمحلي اعتذر لك يا أحمد، تعجبت وقلت "على ايه؟" .. حكى أنه في أحد المرات التي اصطحبني فيها إلى المسجد عندما كنت صغيرًا، شاغبتُ وأكثرتُ من لعبي، فصفعني على وجهي، لكي أهدأ وأظل بجانبه دون لعب، وعلى هذا الفعل اعتذر وطلب مني السماح! فقلت: سامحتك، "وأنا بحبك".

لديه اهتمام فريد بالأشجار وعنايتها
عند عتبة بيته، مجموعة من الأشجار النضرة التي زرعها بنفسه ويعتني بها باستمرار، كما أنه خصص لها شخصًا يرعاها وله أجر على ذلك. وحينما كنت أرافقه في بعض جولاتنا ويدرك نظره المتواضع نبتة ما، ينطلق مباشرة ليحدثني عن نوعها وطبيعة زراعتها وأي الثمار تثمر إن كانت تثمر.

دائمًا ما يشجع الشباب على السعي وطرق الأبواب والقرب من الله
جدي يعلم جيدًا صعوبة ظروف المجتمع وما يمر به، والتحديات التي تواجه أي شاب في أول حياته، لأنه ما زال يتابع الأخبار ويناقش قضايا المجتمع ولو كان ذلك على نحو بسيط.. ولكني لم أره مرة واحدة يثبط فيها أحدًا، بل إنه يحلّي الأيام في أعينهم ما استطاع بحكاياته الشيقة وعما كان يفعله فيها.. لا أنسى أبدًا نصحه الدائم والمتكرر لأحفاده، ولو كنت تراه سترى العزم ينبري من عينيه والحماسة دليل روحه. نصيحته الأساسية في السعي الدائم بلا ملل أو كلل ومعها الثقة بالله ويؤكد بكل حزم أن الخير بعدها سيأتيك. هو يرى أن الظروف ليست هي الحاكم، بل سعي الإنسان هو مربط الفرس، والكرم والعطاء من عند الله.. وليس من أحد غيره.

متطوعٌ حتى آخر العمر، رغم قلة حيلته وكبر سنه!
كثيرًا ما كان يأتيه أناس لا نعرفهم لزيارته، قد عرفت بعد حين أنه يقدم لهم شيئًا من العون، وبناته كانوا يشتكون منه حين يكتشفون أن عدد ثيابه أصبح أقل، ولا يعرفون أين ذهب بقيتها.. ومواقف أخرى!

حتى الآن يمارس هوايته ولا يغادرها..
إذا دخلت عليه غرفته في وقت فراغ، في أغلب الحال ستجده مستغرقًا في إصلاح أو تركيب شيء ما. لدى جدي اهتمام عجيب بإصلاح الأشياء حين تلفها، لا يرضى بالتساهل حينما يتعلق الأمر بشيء يمكن إصلاحه. لو أنك رأيت شاحن هاتفه المحمول ستعجب من طوله، وسيشرح لك كيف أنه وجد سلكين تخلص أحدهم منهما، فقام بمعالجة بسيطة ليصبح سلكًا واحدًا طويلاً يستخدمه في شحن هاتفه.


* قد أعود وأضيف نقاطًا أخرى، لأنني أشعر أنه فاتني شيء ما.


في الشهور الماضية الأخيرة قد أصاب جدي شيئًا من الوهن وبات على غير عادته، فما عاد نشاطه كما كان لفترة، ثم تحسّن حاله بفضل الله. وقد حدث منه موقف عجيب في بيتنا بشهر رمضان.. يمكنك قراءته في هذه التدوينة

شكرًا لوقتك..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندي الآن 23 سنة.. وهذا ما أتمناه من الحياة إذا ما بلغتُ الثلاثين!

لا تنتظر أحدًا.. 8 خطوات إرشادية لتعلم نفسك بنفسك

السؤال الصعب: كيف تكتشف نفسك؟ 10 خطوات عملية تساعدك!