لحظات عابرة | ما بين البساطة والجمال (1)

(1)
أنظر في هاتفي.. الساعة تشير إلى الثانية عشر بعد منتصف الليل. خطر ببالي أن أتجول بنظري في الأنحاء، لأكتشف المكان أكثر، فهذه المرة الأولى التي أجلس فيها مع أصدقائي على قهوة بسيطة في إحدى أنحاء الزمالك، وقد أخبروني أن روادها من كبار الصحفيين. لفت انتباهي بساطة الأجواء وجمالها حيث تجمع الأحبة، وسرد الحكايات، وسرحان الخاطر وما بين قهقهة الضحكات وصمت الأفواه كان الوقت يمضي..

في هذه اللحظة رأيتُ مشهدًا سكن رأسي ولم يغادر أفكاري، حينما قامت فتاة عشرينية من طاولة مجاورة واتجهت إلى دراجة مسلسلة بعمود الإنارة، وقامت بفكها من قيدها، وأشارت لأصدقائها بالوداع، وركبت دراجتها وانطلقت.


صحتُ فجأة بلا قصد في أصدقائي .. أرأيتم ما رأيتُه؟!
لم ينتبه أحد.

(2)
بعد محاضرة طويلة، كان شبحُ الجوع يلاحقني، قررتُ أن أخرج بسرعة لأتناول وجبة الإفطار، وقبل أن أخرج من بوابة الجامعة، كان هناك من يقضي وقتًا ممتعًا في الشارع المجاور للبوابة. متعةٌ أطرافها ثلاثة: فتاة منقبة، وشاب، وكرة !

كانت الفتاة في جهة والشاب في الجهة أخرى ويتبادلان ركل الكرة وضحكاتهم تعلو الأرجاء. وقفت لدقائق متأملاً، حتى باغتني شبح الجوع يستعجلني، فخرجتُ أطلبُ طعامي.

(3)
كنت أحاول أن أسير على نحو أسرع، لأخرج من تحت الأرض إلى علوها، وأمضي إلى مشواري، إلا أنني قبل أن أخرج من المترو، سمعتُ همسًا بين رجل وامرأة كانت منقبة، لم يكن أحد حولنا، التفت لهم سريعًا ومضيت في سيري، ولكن همسهم وخطاهم كانت على غير المعتاد، وتوجست شيئًا في نفسي، قادني فضولي لألقي النظر مرة ثانية، فوجدت الرجل ثانيًا ركبتيه ليربط حذاءها.. شعرت ببهجة في نفسي وعدت لهرولتي.

(4)
في مسجد لايزال يُشيد، من يراه من الداخل لأول وهلة يعتقد أنه تعرض للقصف، بعد كل صلاة جمعة، دائمًا ما أرى رجلاً بسيطًا متجولاً في أنحاء المسجد يهدي الأطفال الحلوى. هذه العادة كانت حاضرة كل جمعة، لا أذكر أنها غابت مرة!

(5)
لا أنسى تلك المرأة، التي كانت تجلس أمامي، فقبل أن أقوم بفعل أحمق وساذج، نظرت إلي بحنو بالغ، وأشارت لي وكأنها تقول لي "لا تفعل هذا، ليس صوابًا، انتظر الوقت المناسب" ضحكتُ لها وشكرت إنقاذها لي.

في زحام الحياة اليومية، دائمًا ما يكون هناك تفاصيل ولحظات جميلة وآسرة لا ينتبه لها الكثير من الناس. مهام العمل المتراكمة، وضغوط الآخرين علينا تجعل الإنسان لا يرى شيئًا أمامه سوى أن يبحث عما يفك قيده ويطلق سراحه.

قد مضيتُ فترة من حياتي، أتحرك وأنا أكثر تفاعلًا وانتباهًا لما يحدث حولي، فلم أكن أستخدم هاتفي الذكي في حراكي، ولم أكن أعلق على أذناي سماعة تضج بها مسامعي موسيقى صاخبة أو حتى هادئة. كنتُ هادئًا.. مع الناس وبينهم.. علّ شيئًا ما يحدث يلهم قلبي.

جرب ولو مرة واحدة، أن تسير وتمضي في طريقك ولا يقيد عقلك شئ، واجعل روحك منفتحة لرسالة ستراها تمضي من جانبك أو أمامك.. فيها شيئًا ما يلهم قلبك.

الناس حولك، يحملون قصصًا لا حدّ لها، عشرات الحكايات والمغامرات والمآسي والأفراح.. أعتقد أنها متعة أن ترى كل ذلك يتبدى بأشياء كثيرة. جربها ولو مرة.

جــولة :
“إننا إنما نعيش لنهتدي إلى الجمال، وكل ما عدا ذلك.. هو لون من ألوان الإنتظار”― جبران خليل جبران
“الجمال لايستقيم الا اذا جاوره القبح والنعيم لايكمل الا إذا جاوره الجحيم”― طه حسين

“إن الجمال نصيب المتأملين”― جبران خليل جبران

“لو أن كل إنسان فعل ما بوسعه لتجميل رقعة الأرض الصغيرة التى يعيش فوقها بالحب و التفاهم و لمسات الجمال لصار كوكبنا فتنة للأنظار"
― الأديب الروسى أنطون تشيكوف

“الجمال لا يجلب السعادة في أرض لا تدرك معني الجمال”― يوسف عز الدين عيسى, خطاب إلى الله

“ولو استطعنا أن نرى الجمال حتى وراء ستائر القبح لصارت الحياة شيئا محتملا”― أحمد بهجت, تأملات في عذوبة الكون


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق