أنا وهي في قلب البحر

أستندُ إلى سورٍ، وأنظرُ إلى بحرٍ كبير، أمواجُهُ عَاليةٌ ومتلاطمَةٌ، لها بَريقٌ لامع يتجلّى فيه انعكَاس الشَّمس المشرقة، وأرى في الأفُق طيورٌ تحلق، تُسابق بعضَها بعضًا. في كُل مرةٍ أقفُ فيها أمَام البحرِ، أشعرُ وكأنه يُحيطٌ بِي من كُل مكَان، كَأن الكونَ كلهُ بحرٌ أقفُ فيه أنَا، فلا أدري آستمتعُ بصفائه وأتأمل جماله أم أستعدُ لهيجانه وغدره؟ البحر هو الحياة ساكن ومتقلب وحنون وغادر وكل شيء ونقيضه..!
 ولكنّي أحب البحر وأنسى نفسي معه، وبقدر حبي أخاف منه!

طيفٌ ما سرى ورائي، جعلني ألتفُ وأنظرُ حولي، فإذ بي أرى أناسٌ كثر، لستُ وحدي، منهم من يقفُ كما أقفُ أنا في الأرجاءِ، ومنهم من يتجول، ومنهم من يرتدي زيًا موحدًا، وهناك أطفالٌ تجري وتلعب بحذر، وعلى جنبات بعض الممرات أناسٌ نائمون، يلتحفون السماء.. أدركتُ سريعًا أننا على باخرةٍ ضخمة، في قلبِ البحرِ، ومسافرونَ إلى مكان ما..

تعلقتْ عينايَ بفتاة. الوحيدةُ التي رأيتُها حقًا حينما جَال بَصري فِي الأنحاء، نحيلة يكسوها سترةً بيضاء وتنورة واسعة ساترة، رُسمت عليها زخارفُ بديعة، ملونةً بلون البحر. التف حولَ وجهها الباسم الوضاء حجابٌ بسيط أنيق، نال جمال طلتها. عيناها تجذبُ من يراها، تجلسُ على إحدى درجات الممر العلوي، أرى يداها متشابكتان، وكأنها متعلقةٌ بشيءٍ ما. ويلاصقُ جنبها الأيسرَ كتف فتاةٍ أخرى، لعلها صديقتها المقربة، لا أدري ولا يهمني. المهمُ هيَ. أراها تلتفتُ كثيرًا نحوي، وكأن عيناها الساحراتان تقولان لي: تعال!..

كنتُ دائمًا ما أقولُ، إن الحياةَ واسعةٌ كبيرة، فيها كل شيء، وعلى الإنسَان أن يريدَ ويختار، وما يريدُه حقًا سيأتيه، بل وستسانده الظروف ليصل لما يريد، وكأن الذي تريده يريدكَ أيضًا. أحقًا كان قولي، أم أنني كنت أهذي! إنها أمامي الآن، كم رأيتها في يقظة أحلامي، ودَاعَبَتنِي بكلامِهَا الجَمِيل، ورَافقتنِي بَسَمَاتُها فِي مَشَاق الحياة.
قررتُ أن أسيرَ إليها. هي حتمًا تبحثُ عنّي كما أبحثُ عنها. كنتُ مترنّمًا، أسمعُ في أصداءِ رأسي عزفًا ألهبَ مشاعري، أحسُّ بقطراتِ عرقٍ تنسابُ من داخلي. وقفتُ أمامها، وعينايّ تنظرانِ إلى عيناها، وروحي تلامسُ روحها، كأننا توحدنا لا أحدَ من حولنا. لم أنطقْ بأيّ كلمَة، مَددتُ لها يَدايّ، تلطفت معي ومدّت يداها، وقامت معي كأنها كانت تنتظرني، عندها علا صخبُ العزفِ بدَاخلِي وابتهجت الدنيا فِي عَيناي..
أنا وهي فِي قلبِ البحر، ولا أشعرُ بأمواجِ البحر، كأنه سَكَن! لا أصدقُّ نفسي..عينايَ مشدوهتان إلى عيناها المتلألأة، ولأ أتفوهُ بكلمةٍ، وأنا الذي لا ينسَى الناسُ أقوالِي.. كم كنتُ أقولُ أنَّ الحياة لا استقرار فيها، ومتعتها في خوضها بكل ما فيها، الحياةُ تتبدلُ وتتغير وليست على حالٍ واحد. رغمَ أن الناسَ كلهم يبحثون عن الاستقرار، لا أعلم أي استقرار في هذه الدنيا، هل أنا مختلفٌ غريب الأطوار؟ أم أنني أحمل سرًا لا يعلمه أحد. الحياةُ في نظري سفرٌ طويل، يتجدد كلَّ حين، أنا أحبُّ السفرَ، واكتشاف الأشياءِ ورؤيةَ الجمال. يا تُرى أتحبُّ السّفرَ مِثلي، كمْ أودُّ أن أبقى معها ولا شيء يحولُ بيننا أبدًا.
شيءٌ ما ارتطم بقدمي..
 أتحرك بجسدي يمنةً، وأفتح عيناي ببطءٍ على حائطٍ أزرق، متعجبٌ مما أنا فيه، أحرّكُ يداي، إذ بهما تشدان غطائي! كنت نائمًا وكان حلماً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق